سيد قطب
3578
في ظلال القرآن
لا يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أبيه ويظل يمشي على الأرض بعده أمام ناظريه . وهو يخشى أن تخونه نفسه ، وألا يقدر على مغالبة شيطان العصبية ، وهتاف الثأر . . وهنا يلجأ إلى نبيه وقائده ليعينه على خلجات قلبه ، ويرفع عنه هذا العنت الذي يلاقيه . فيطلب منه إن كان لا بد فاعلا أن يأمره هو بقتل أبيه . وهو لا بد مطيع . وهو يأتيه برأسه . كيلا يتولى ذلك غيره ، فلا يطيق أن يرى قاتل أبيه يمشي على الأرض . فيقتله . فيقتل مؤمنا بكافر . فيدخل النار . . وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلب النظر في هذا الموقف الكريم . روعة الإيمان في قلب إنسان ، وهو يعرض على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يكل إليه أشق عمل على النفس البشرية - أن يقتل أباه - وهو صادق النية فيما يعرض . يتقي به ما هو أكبر في نظره وأشق . . وهو أن تضطره نوازعه البشرية إلى قتل مؤمن بكافر ، فيدخل النار . . وروعة الصدق والصراحة وهو يواجه ضعفه البشري تجاه أبيه وهو يقول : « فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني » . وهو يطلب من نبيه وقائده أن يعينه على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج ؛ لا بأن يرد أمره أو يغيره - فالأمر مطاع والإشارة نافذة - ولكن بأن يكل إليه هو أن يأتيه برأسه ! والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المحرجة ، فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة : « بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا » . . ومن قبل هذا يكف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن رأيه : « فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ » . ثم تصرف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في الحادث تصرف القائد الملهم الحكيم . . وأمره بالسير في غير أوان ، ومتابعة السير حتى الإعياء ، ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين : يا للأنصار ! يا للمهاجرين ! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان . . وحديث الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - مع أسيد بن حضير ، وما فيه من تعبئة روحية ضد الفتنة ، واستجاشة للأخذ على يد صاحبها وهو صاحب المكانة في قومه حتى بعد الإسلام ! وأخيرا نقف أمام المشهد الرائع الأخير . مشهد الرجل المؤمن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي . وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل . تصديقا لمقاله هو : « ليخرجن الأعز منها الأذل » . ليعلم أن رسول اللّه هو الأعز . وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان . ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة ، وهم بعد بشر ، بهم ضعف البشر ، وفيهم عواطف البشر ، وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة ، حين يدركها الناس على حقيقتها ، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسيّ تأكل الطعام وتمشي في الأسواق . ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث : « وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لووا رؤوسهم ، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون » . .